النووي
47
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسْأَلَةً ، وَهِيَ مِنْ مَوَاضِعِ التَّوَقُّفِ ، وَلَمْ أَجِدْهَا لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ . قَالَ : وَالْأُفُقِيُّ إِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ النُّسُكَ ، فَاعْتَمَرَ عَقِبَ دُخُولِهِ مَكَّةَ ، ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا ، إِذْ صَارَ مِنَ الْحَاضِرِينَ ، إِذْ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ الْإِقَامَةِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ فِي أَنَّ مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنِ اعْتِبَارِ اشْتِرَاطِ الْإِقَامَةِ ، يُنَازِعُهُ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَنَقْلُهُمْ عَنْ نَصِّهِ فِي « الْإِمْلَاءِ » وَالْقَدِيمِ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ ، بَلْ فِي اعْتِبَارِ الِاسْتِيطَانِ . وَفِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي صُورَةٍ تُدَانِي هَذِهِ . وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ الْغَرِيبُ الْمِيقَاتَ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ نُسُكًا ، وَلَا دُخُولَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَاعْتَمَرَ مِنْهُ وَحَجَّ بَعْدَهَا عَلَى صُورَةِ التَّمَتُّعِ ، هَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ ؟ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ بَدَا لَهُ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْحَاضِرِ . وَأَصَحُّهُمَا : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ صُورَةُ التَّمَتُّعِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ . قُلْتُ : الْمُخْتَارُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ أَوَّلًا : أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ لَيْسَ بِحَاضِرٍ ، بَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَرْعٌ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ دَمُ الْقِرَانِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ . وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ . وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيًّا عَلَى وَجْهَيْنِ نَقَلَهُمَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ ، دَمُ جَبْرٍ ، أَمْ دَمُ نُسُكٍ ؟ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ : أَنَّهُ دَمُ جَبْرٍ .